القرطبي

229

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت ( 1 ) أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى ها هنا ) وقبض على نصف الذراع . قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الاخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك . ف‍ " - ما ظهر " على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه . قلت : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما . يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها : أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : ( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ) وأشار إلى وجهه وكفيه . فهذا أقوى من جانب الاحتياط ، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب سواه . وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا : إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك ، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها . الرابعة - الزينة على قسمين : خلقية ومكتسبة ، فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية ، لما فيه من المنافع وطرق العلوم . وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها ، كالثياب والحلي والكحل والخضاب ، ومنه قوله تعالى : " خذوا زينتكم ( 2 ) " [ الأعراف : 31 ] . وقال الشاعر : يأخذن زينتهن أحسن ما ترى * وإذا عطلن فهن خير عواطل الخامسة - من الزينة ظاهر وباطن ، فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب ، وقد ذكرنا ما للعلماء فيه . وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه

--> ( 1 ) عركت المرأة : حاضت . ( 2 ) راجع ج 7 ص 188 فما بعد .